نصادف في حياتنا جنودا يظهرون وقت الشدائد, نقابلهم في
المواقف الصعبة, نعرف منهم بعضهم, و لا نعرف كثيرا, اصدقاء لبعضهم و غرباء عن
كثيرين, نتكلم مع بعضهم ولا حتي نعرف اسماء الاغلبية منّهم. هم اشخاص في قدرنا ان
نتعامل معهم و نقابلهم في طريقنا, اما بطريقة مباشرة او بأخري غير مباشرة. كتب
الله لنا ان نحتاجهم في وقتٍ ما بحياتنا و يكونون اصدقاءاً لنا بعدها او يمرّون و
يرحلون و نتذكرهم دوماً في في حكاياتنا.
"الارواح جنوداً مجندة, ما تعارف منها ائتلف و ما
تناكر منها اختلف"..
يحدث ان تكون غريباً في مكانٍ و تائهاً عن مقصدك و تجد
من يقترب منك يقدّم المساعدة, ان تكون محتاجاً لشيء و تعُفَّ عن مطلبه و يشعر بك
غريب و يأتي ليقدمه, يحدث ان يقابلك غريب في سفرٍ و يعرض عليك مالاً مع انك لا
تحتاج و يبرر موقفه بحتي لا تحتاج لاحقا و تطلب من غريب (مع انك في الاساس غريبا
عنه ايضا), ان يدنو منك احد ليقدم نصيحة في الحياه و يشاركك خبراته حتي تستفيد
منها لاحقا عندما يقابلك مثلها, تصادف ان يتعرف عليك احدهم و ينصحك بنصيحه متوسما
فيك الخير لبلدك و مجتمعك و يطلب منك ان تنصح بها غيرك, يحدث ان يتعرف عليك غريب
يري فيك املا و بذرة طيبة و يطلب منك مشاركته اخبارك و احلامك, يحدث ان يظهر اليك
شخصاً يتحدث معك في اكثر وقت ضييق تحتاج فيه ليد تساندك فتتغير حياتك مباشرةً عقب
لقائكم, يحدث ان تكون ابتسامتك سبباً في تغيير قراراً سلبياً اقدم احدهم علي فعله
او ابتسامه احدهم لك تغيّر مجري يومك و ضيقك.
لماذا كانت الكلمة الطيبة صدقة؟ اللا لأنها تكفي ان تُشبِع
جائع و تسُر مهموم و تُحفز من تملك اليأس منه. يحدث ان يتواصل معك شخصاً لم تتكلم
معه سابقاً او تعرفت عليه مؤخراً ليستشيرك في امرٍ ما, لأنه يري فيك الامل و
الحكمه التي يحتاجها في حياته الان. قد يظهر في حياتك شخصاً يعلمك درساً ما او
يشاركك موقفاً ما و يختفي من حياتك بعدها و لا تدري فيما جاء و فيما رحل, بل هو في
الحقيقة انجز مهمته التي جاء من اجلها.
قد تري و تصادف في حياتك ما هو اكثر من ذلك بكثير و لن
تعرف حقيقة الامر و ستبقي متسائلاً طالما عشت و صادفت. الواقع اننا لم نُخلق
لنفسنا, فالله يرزق الرزق لمن يشاء, و لكن الله لا يأتي لأحد برزقه عند بابه و لا
يبعث ملائكة بالمال في منازلنا.
قال سبحانه "اني جاعل في الارض خليفة", فنحن
خلفاء الله في الارض, نُعمّر فيها و نكون اسبابا في رزق غيرنا. لقد خُلِقنا لنعيش
و نتعايش, نؤثِر في غيرنا و نتأثر بما حولنا. فلكل دعاء سبباً في اجابته, ان دعوت
بالزواج فذلك لاكمال دينك و دين شريكتك و الستر و التعفف, و ان دعوت بالذرية فذلك
لاعمار الارض و ابقاء النسل, و ان دعوت بالمال فذلك لتتصدق و تزكّي و تبني و تصرف في
الخير و تساعد غيرك و لا لتكنّزه, و هكذا لكل دعاءً تطلبه.
افعل ما شئت, فكما تدين تدان! .. فقيمة الانسان الحقيقية
في عدد من تسبب في رزقه, من تسبب في اسعاده, من تسبب في علاجه, ستره, اطعامه,
تعليمه, بعدد ممن ظهر في حياته و قدّم مساعدته و أثّر في طريقه, بعدد ممن استفاد
من وجوده في تلك الحياه.
لكل هؤلاء الذين جعلوا مصلحه من حولهم فوق مصلحتهم
الشخصية, هؤلاء الذين جعلوا من سعاده غيرهم سببا كافي لاسعادهم, هؤلاء من كانت
غايتهم ان الله يرزقهم ليكونوا سببا في رزق غيرهم, هؤلاء الذين احتاجوا يوما و لا
يطيقون رؤية محتاج من بعدهم, هؤلاء الذين ظُلموا يوماً فيرفعون الظلم عن غيرهم,
هؤلاء الذين عانوا يوما فكان رفع المعاناه عن الناس همّهم, هؤلاء الذين يحلمون
بحياه مستقرة في بلداً متقدماً قوياً غنياً و هم جزءاً منّهُ, هؤلاء الذين يشكل
الامل اساسا في تفكيرهم و سعيهم, هؤلاء الذين يخاطرون بما عندهم من اجل تحقيق
احلامهم و اثبات ذاتهم, هؤلاء الذين ينتمون دائما و ابداً للمصلحه العليا و
الجماعه و اليد الواحده و الكلمه الواحده, هؤلاء الذين يسعون لتقديم ما يفرق في
حياة غيرهم, هؤلاء الذين منَّ الله عليهم برزقٍ فجعلوا حياة من حولهم اكبر همّهم,
هؤلاء الذين ينشرون الخير و الامل و السعاده و السلام, هؤلاء الذين لم يستسلموا
لدوامة الحياه و نهضوا و امسكوا باللجام و حملوا المسؤولية علي اكتافهم, هؤلاء
الذين قالوا الحق و زهقوا الباطل و حكموا بالعدل و عاشوا لحياه كريمة لهم و
لغيرهم... لكم منا كل التحية و التقدير!
تحية و تقدير و اجلال علي ارواحكم و احلامكم و انتمائكم,
تحية و تقدير لسعيكم و عملكم, تحية منّا لجهودكم. هنيئاً لكم بما كسبت ايديكم, فقد
احسنتم صنعاً, فأنتم خير خلفاء و خير قدوه طيبة حسنة طالما عاشت و بقيت جيلا بعد
جيل الي يوم نقابل فيه وجه كريم.

No comments:
Post a Comment